بصيرته . فيتعين عليه السفر ، ليعود مرة أخرى إلى أهله ووطنه أكمل مما كان عليه قبل سفره كالتاجر الذي سافر وحصل على الربح الوفير هناك .
وبهذا الاعتبار لا يكون طلب الرجوع إلى الأهل والوطن مطلوباً ، إلا بعد انتهاء المهمة وارتفاع الهمة . ومع إدراك هذا المعنى يكون هذا النوع من السفر نعمة وليس نقمة ، ولا حاجة معه إلى البكاء الذي أشار إليه ابن سينا كما سمعناه .
نعم مقتضى علو الهمة والشعور بالمسؤولية هو الشوق عملياً للأهل والوطن وتكريس الجهد له ، حتى يكون السفر قد أنتج مهمته بأقصر وقت وبأسهل طريق . فتزول الكراهة النفسية وينتهي السفر بأقصر وقت وبأسهل طريق .
ولهذا السفر ، تطبيقات عديدة في الكون . يحسن أن نشير إلى تطبيق واحد منها : وهي ما أشار إليه ابن سينا في قصيدته ، وهي : إرادة الله سبحانه وتعالى في إرسال الروح من عالمها إلى الدنيا . وهي دار الغربة . بقصد الحصول على التكامل بالتمحيص والبلاء .
وهي بالتأكيد تنسى ، كما أشار ابن سينا ، دارها التي وردت منها . إلا أن هذا النسيان لا ربط له بالتكامل . فإنها يمكن لها التكامل حتى لو كانت ناسية إذا كانت مطلعة بوضوح على أسبابه ومقدماته الحقيقية . وهي تكريس النفس لطاعة الله سبحانه . ثم قد تصل في درجه التكامل إلى مرحلة تعود فيها الذكرى لها إلى وطنها الأصلي ودارها الأولى . فيشتد فيها الشوق إليها والحنين عليها . ولكن بدون امتعاض أو بكاء . لكونها عندئذ تدرك المصلحة من سفرها هذا . ولها من الرضا به ما يكفي للاستبشار بوجوده لا للكراهية له .
فقه الأخلاق — صفحة 300
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٠٠