ثمّ إنّ ذلك التغيير مبدأ سائر التغيّرات التي بعدها - أيّ تغيّر كان - مع جمودها في الظاهر على حالها ، فالعالم الجسماني بمجموعه مُتغيّر ومُتحرّك دائماً يتبدّل تعيّنه مع الآنات ، ففي كلّ آنٍ يوجد مُتعيّن غير المتعيّن الأوّل ، والعين الواحدة التي يطرأ عليها هذه التغييرات وهي بحالها هو الجسم الطبيعي الثابت بذاته المُتغيّر بأحواله ، وفي الآية إيماء إلى ذلك حيث قال :
وَتَرَى الْجِبالَ
أي الحقيقة الأصلية التي هي طبيعة الجسم
تَحْسَبُها جامِدَةً
ثابتة حين تمرّ وتعرضها الحركة ، فالمرور حال عارض والجمود والثبات ذاتي .
وهكذا ينبغي أن يفهم تجدّد الخلق مع الآنات ، لا كما ذهب بعض الأعلام إليه من أنَّ الطبيعة الجسمية ذاتها سيّالة بمعنى أنّها نفس الحركة والسيلان « 1 » [ 28 ] ولا كما زعم بعض المُتصوّفة من أنَّ المُتبدّل هو الوجودات كلّها والعين الواحدة هو الوجود الحقيقي الذي بزعمهم هو اللَّه « 2 » تعالى عمّا يقولون علوّاً كبيراً .
شرح
[ 28 ] - قوله : « ولا كما زعم بعض المُتصوّفة . . . » إلى آخره .
ما ذكره ذلك البعض له وجه صحيح موافق لمشرب رحيق عرفاني ومأخذ تحقيقي إيماني ؛ وهو أنّ القيّوم بالذات والثابت بجميع الجهات ، الذي لا طريق للتغيير في كبرياء قدسه ، ولا أثر للتبديل حول حريم انسه ، هو الذات الأحدية - جلّ برهانه وعظم شأنه وسلطانه - وأمّا الموجودات الإمكانية فهي بالجهات المُنتسبة إليه تعالى كذلك ، وأمّا بجهات نفسياتها وحيثيات ذاتها فهي متغيّرات الهويّة متبدّلات الماهية والحقيقة من الليس إلى الأيس ، بل سلسلة الموجودات
هامش
( 1 ) - الحكمة المتعالية 3 : 61 - 67 .
( 2 ) - شرح فصوص الحكم ، القيصري : 474 ، 658 ، 791 ، 795 ، 926 .