بل المعقولات في ذلك العالم نفس التعقّل والشوق كما يعرفه أهل الذوق ، قال اللَّه تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » وعند النظر الجليل ترى أنّ معلولات عالم الأمر إنّما هي آثار التسبيح والتقديس الذي طباعهم ، ونتائج التهليل والتمجيد الذي شأنهم ، وأ نّهم لا يفترون من ذلك ساعة ولا يسأمون لحظة ، يرشدك إليه : أنّ تسبيحنا يغرس شجرة في قيعان الجنّة - كما في الخبر « 2 » - فكيف الظنّ بتسبيحاتهم وتقديساتهم مع كمال طهارتهم ؟ !
وثانيهما : أنَّ تينك المرتبتين السابقتين هما ليستا من عالم الخلق والصنع ، بل هما ما يعبّر عنه في لسان الشرع بعالم الأسماء والصفات ليس إلّا ، لكن المرتبة الأولى هي مرتبة الأسماء والصفات الذاتية كالعلم والحياة والقدرة ، والمرتبة النفسية هي مرتبة الأسماء والصفات الفعلية كالمشيّة والكبرياء والعظمة ، بل النظر الجليل يرى الأولى هي الصفات الذاتية الإلهية من حيث المرتبة والحقيقة ، والثانية هذه الصفات لكن من حيث الوجود والتحقّق ، فنسبة الإيجاد إلى المرتبتين السابقتين ليس كنسبته إلى المكوّنات ، بل الإمكان الذاتي في العوالي محض اعتبار عقلي كما قاله بعض الأعلام « 3 » .
وبالجملة : هذا العالم العلويّ عالم الوجوب المتاخم لُافق الوحدة الحقّة والبساطة المحضة ، وقد قيل : « عالم الأمر ما لا حكم فيه للإمكان » « 4 » .
هامش
( 1 ) - يس ( 36 ) : 82 .
( 2 ) - بحار الأنوار 7 : 229 .
( 3 ) - راجع الحكمة المتعالية 1 : 173 - 179 ؛ شرح توحيد الصدوق ، القاضي سعيد القمّي 1 : 383 .
( 4 ) - مصباح الانس : 295 .