المرأة ! إنّ اللَّه خلق الأمور بقدرته ، وكونها بعزّته ، فجعل لكلّ أمر قدراً ، ولكلّ قدر سبباً ، فليس لأحد عن قدر اللَّه مستحاص ، ولا عن الخروج عن علمه مستناص ، فكان ممّا سبق لكِ وقدر عليكِ ، الّذي كان من فراق عبداللَّه بن سلام إيّاكِ ، ولعلّ ذلك لا يضرّكِ ، وأن يجعل اللَّه لكِ فيه خيراً كثيراً . وقد خطبكِ أمير هذه الامّة ، وابن الملك ، ووليّ عهده « 1 » ، والخليفة من بعده ، يزيد بن معاوية . وابن بنت رسول اللَّه ( ص ) وابن أوّل من آمن به من امّته ، وسيِّد شباب أهل الجنّة يوم القيامة ، وقد بلغك « 2 » سناهما وفضلهما ، وجئتكِ خاطباً عليهما ، فاختاري أيّهما شئتِ ؟ فسكتت طويلًا . ثمّ قالت : يا أبا الدّرداء ! لو أنّ هذا الأمر جاءني ، وأنت غائب عنِّي أشخصت فيه الرّسل إليك ، واتّبعت فيه رأيك ، ولم أقطعه دونك على بعد مكانك ، ونأي دارك ، فأمّا إذ « 3 » كنت المرسل فيه ، فقد فوّضت أمري بعد اللَّه إليك ، وبرئت منه إليك ، وجعلته في يديك ، فاختر لي أرضاهما لديك ، واللَّه شهيد عليك ، واقض فيه قضاء ذي التّحرّي المتّقي ، ولا يصدّنّك عن ذلك إتّباع هوى ، فليس أمرهما عليك خفيّاً ، وما أنت عمّا طوّقتك عميّاً .
فقال أبو الدّرداء : أيّتها المرأة ! إنّما عليَّ إعلامكِ وعليكِ الاختيار لنفسكِ . قالت : عفا اللَّه عنك ، إنّما أنا بنت « 4 » أخيك ، ومَنْ لا غنى بها عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول الحقّ فيما طوّقتك ، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك ، واللَّه خير من روعي وخيف ، إنّه بنا خبير لطيف .
فلمّا لم يجد بدّاً من القول والإشارة عليها ، قال : « 5 » بُنيّة ، ابن بنت رسول اللَّه أحبّ إليَّ وأرضاهما عندي ، واللَّه أعلم بخيرهما لكِ ، وقد كنت رأيت رسول اللَّه ( ص ) واضعاً شفتيه
هامش
( 1 ) - [ أعلام النّساء : « العهد » ]
( 2 ) - [ أعلام النّساء : « بلغ » ]
( 3 ) - [ أعلام النّساء : « إذا » ]
( 4 ) - [ أعلام النّساء : « ابنة » ]
( 5 ) - [ أضاف في أعلام النّساء : « أي » ]