الامتناع ، أضرم النّار في الحطب ودفع الباب ، وكانت ابنة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله خلفها ، فمانعته من الدّخول ، فركل الباب برجله وألصقها إلى الجدار ، ثمّ لطمها على خدِّها من ظاهر الخمار حتّى تناثر قرطها ، وضرب كفّها بالسوط ، فندبت أباها وبكت بكاءً عالياً .
يقول عمر : لمّا سمعت لها زفيراً عالياً كدت أن ألين وأنقلب لولا أن أتذكّر كيد محمّد وولوغ عليّ في دماء صناديد العرب ، فعصرتها ثانياً إلى الجدار ، فنادت : يا أبتاه ! هكذا يفعل بحبيبتك ، واستغاثت ( بفضّة ) جاريتها وقالت : لقد قتل ما في بطني من حمل .
وخرج أمير المؤمنين عليه السلام فألقى عليها ملاءة ، فأسقطت حملًا لستّة أشهر سمّاه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « مُحَسِّناً » ، وتكاثروا عليه ، فوضعوا حبلًا في عنقه وأخرجوه إلى المسجد قهراً ملبّباً :
قادوه قهراً بنجاد سيفه * فكيف وهو الصّعب يمشي طيِّعا
ما نقموا منه سوى أنّ له * سابقة الإسلام والقُربى معا
نعم ، يقول ابن الخطّاب : كانت في نفس عليّ هناة ، ولولاها لما تمكّن جميع من في الأرض على قهره .
ولمّا تراءى له قبر النّبيّ صلى الله عليه وآله ، صاح : يا ابن امّ ! إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ، فلم يشعر الجمع إلّاويد خارجة من القبر المطهّر ، متّجهة نحو أبي بكر ، وصوت لايشكّون أنّه صوت النّبيّ صلى الله عليه وآله : ( يا هذا ! أكفرت بالّذي خلقك من تراب ، ثمّ من نطفة ، ثمّ سوّاك رجلًا ) ؟
وقال أمير المؤمنين : أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، فإنّكم أخذتم هذا الأمر من الأنصار بحجّة القرابة من رسول اللَّه ، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، فأنصفونا إن كنتم تخافون اللَّه ، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم وإلّا فبوؤوا بالظّلم وأنتم تعلمون . فقال عمر : لست متروكاً حتّى تبايع ، فقال عليه السلام : لا أبايع أبداً .