سؤال : قلتم : « إنّ الحُسن والقُبح من جملة القضايا الفطرية التي أودعها اللَّه تعالى في واقع أفراد البشر بحيث يدركها كل إنسان بدون تعليم وتجربة ، فلو كان الأمر كذلك فلماذا نرى أنّ بعض المسلمين أنكر الحسن والقبح العقليين وادعوا أنّ ذلك إنّما يثبت بالدليل الشرعي ، ويعتقدون بأنّ العقل غير قادر على إدراك أي شيء من هذه الأمور ، فلو قال اللَّه تعالى : « العدل حسن » فسيكون حسناً ، ولو قال : « العدل قبيح » فسيكون قبيحاً ، فالعقل لا يدرك حسن العدل وقبح الظلم ولا حسن إسداء الخير للآخرين .
الجواب : للأسف فإنّ جماعة كبيرة من المسلمين ، وبسبب ابتعادهم عن تعاليم أهل البيت عليهم السلام ، وقعوا في متاهات فكرية وعقائدية ، وبسبب عدم رؤيتهم للحقيقة سلكوا سبيل الموهومات والأساطير ، ومن ذلك أنّهم أنكروا الحسن والقبح العقليين ، على أيّة حال ففي مقام الجواب عن هذا الإشكال نقول : إنّ المنكرين للحسن والقبح ، بالرغم من إنكارهم لهذا باللسان ، إلّاأنّهم في مقام العمل يعتقدون بهذه المقولة .
وتوضيح ذلك : لو افترضنا أنّ رجلًا لم يكن معتقداً بأي دين من الأديان الإلهيّة ، هجم على بيوت هؤلاء الأشخاص وقتل زوجاتهم وأطفالهم ونهب أموالهم ، فلو أنّهم كانوا ينكرون الحسن والقبح واقعاً فلا يحق لهم الاعتراض عليه بأنّك لماذا ترتكب مثل هذه الجرائم القبيحة والمفاسد الذميمة ، لأنّ هذا الشخص لا يعتقد بأي دين حتى يلتزم بتعاليم هذا الدين فيما يقرره من أعمال الحسن والقبح ، ومن جهة أخرى فإنّ عقله لا يدرك حسن وقبح الأعمال والأفعال ، وعليه فلا ينبغي الاعتراض عليه ومؤاخدته وعقوبته .
كما أنّ من يعتقد بمقولة الجبر لا يحق له الاعتراض على ما يصدر من الآخرين من مخالفات ومنكرات ، لأنّه يعتقد بأنّ جميع أفراد البشر مجبورن في أعمالهم وسلوكياتهم ولا أحد يملك اختياراً في عمله ، بالتالي لا تترتب على عمله مسؤولية
الأقسام القرآنية — صفحة 66
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦٦