وذهب بعض المفسّرين إلى وجود جملة مقدّرة في هذه الآية الشريفة ، أي أنّ الآية المذكورة تعتبر قرينة على وجود جملة محذوفة ، وهذه الجملة كالتالي :
( لتبعثنّ جميعاً يوم القيامة )
والآية مورد البحث تشبه الآيات الأخيرة من سورة يس ، فطبقاً لما ورد في تلك الآيات وسبب نزولها ، أنّ رجلًا من أعراب البادية جاء إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وبيده عظم ويقول :
« لَاخْصِمَنَّ مُحَمَّداً »
أي أنني وجدت دليلًا قاطعاً على نفي المعاد الذي يعتقد به نبيّ المسلمين ، فجاء للنبي صلى الله عليه وآله بذلك العظم الرميم وأخذ يفته أمام النبي ويلقي بفتاته على الأرض ، ثمّ قال للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله : من يقدر على إحياء هذا العظم مرّة ثانية وإعادة هذا الإنسان إلى الحياة ؟
فأنزل اللَّه تعالى هذه القصة في الآيات 78 إلى 81 من سورة يس وقال :
« وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ » .
وهكذا تنطلق الآيات القرآنية للردّ على استدلال ذلك الأعرابي بشكل دقيق ومن موقع الاقناع العقلي والوجداني ، وتقول : إنّ الخلق الأوّل للإنسان يعتبر أصعب وأعقد من إعادته مرّة ثانية ، ومع ذلك فإنّ اللَّه تعالى خلق هذا الإنسان في أوّل مرّة ولا صعوبة في إعادته إلى الحياة مرّة أخرى ، فالشخص الذي يخترع جهازاً معيّناً ، ألّا يستطيع من إعادته مرّة أخرى بعد خرابه وتحطمه ؟
إنّ مثل هذه الآيات التي تدلُّ على المعاد الجسماني ، رغم أنّها كانت تبحث في قضية واضحة في ذلك العصر ، ولكن هذه القضية وبعد التطورات التي شهدها العلم البشري في عملية الاستنساخ أضحت أكثر وضوحاً وبداهةً ، فبدن الإنسان يتكون
الأقسام القرآنية — صفحة 399
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٩٩