. . . . . . . . . .
شرح
كالاستصحاب انما هو البناء العملي والأخذ بأحد طرفي الشك على أنه هو الواقع ، وإلقاء الطرف الآخر ، وجعل الشك كالعدم في عالم التشريع ، فكأنه عالم بالواقع ، فان الظاهر من قوله عليه السّلام في أخبار الاستصحاب « لا تنقض اليقين بالشك » هو البناء العملي على بقاء المتيقن ، وتنزيل حال الشك منزلة حال اليقين والإحراز ، وهذا بخلاف الأصول الغير التنزيلية ، فإن المجعول فيها هو مجرد الجري العملي وتطبيق العمل على أحد طرفي الشك ، لا على أنه هو الواقع ، كأصالة الإباحة في مشكوك الحلية ، أو الاحتياط في باب الدماء والفروج والأموال .
وبالجملة لا مانع في جعل الإحراز التعبدي في الشبهات البدوية الغير المقرونة بالعلم الإجمالي وكذا المقرونة بالعلم الإجمالي لكن بالنسبة إلى بعض أطرافه ، وأما بالنسبة إلى جميع الأطراف فلا يمكن مثل هذا الجعل ، للعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف ، وانقلاب الإحراز السابق الذي كان في جميع الأطراف إلى إحراز آخر يضاده ، ومعه كيف يمكن الحكم ببقاء الإحراز السابق في جميع الأطراف ولو تعبدا ، فان الإحراز التعبدي لا يجتمع مع الإحراز الوجداني بالخلاف ، وهذا من دون فرق بين أن يلزم من جريان الاستصحاب في جميع أطراف العلم الإجمالي المخالفة العملية ، كما إذا علم بنجاسة أحد الإنائين الطاهرين سابقا ، أو لا يستلزم ذلك ، كما إذا علم بطهارة أحد الإنائين النجسين سابقا ، فان استصحاب الطهارة في كل من الإنائين في المثال الأول يقتضي جواز استعمال كل منهما في مشروط الطهارة ، فيلزم مخالفة عملية للتكليف المعلوم في البين ، وهو وجوب الاجتناب عن النجس ، وهذا بخلاف استصحاب النجاسة في كل منهما في المثال الثاني ، فإنه لا يلزم من استصحاب نجاسة كل منهما مخالفة عملية ، لأن العلم بطهارة