هامش
ومن تلك الآيات قوله تعالى في آصف بن برخياقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ .- النمل - 27 : 40 - لدلالتها على أن آصف ابن برخيا الذي عنده علم من الكتاب كان متمكنا من إحضار عرش بلقيس من مكان بعيد بزمن أقصر من طرفة عين ، وظاهر الآية الكريمة إسناد الفعل إليه مباشرة ، فكان ذلك من فعل آصف الا انه بإقدار من اللَّه تعالى ، وهذا تصرف في الكون بأمر خارق للعادة من دون أسباب ظاهرية ، وهو المطلوب ، وانما لم يفعل ذلك سليمان بنفسه مع أنه كان نبيا لا علامة للناس أن آصف هو الوصي من بعده - كما ورد في الحديث المروي في ج 14 من البحار ص 124 طبعة الإسلامية .
وعلى الجملة ظاهر الآيات الكريمة المتقدمة صدور الأفعال المذكورة - كخلق الطير ، وإبراء الأكمه والأبرص ، واحياء الموتى ، واجراء الريح ، والإتيان بعرش بلقيس - من الأنبياء عليهم السلام ولا ينافي ذلك ظهور جملة من الآيات الأخر في أن معجزات الأنبياء كانت من أفعال اللَّه تعالى ، كقوله عز من قائل في قصة إبراهيم عليه السّلاميا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ- الأنبياء 69 : 21 - لدلالتها على أن صيرورة النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السّلام كانت من أفعاله تعالى .
وهكذا قوله تعالى في ناقة ثمودوَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ- الإسراء 17 : 59 - وقوله تعالى في داود عليه السّلاموَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ- سبا : 34 : 10 - قوله تعالى في قصة عصا موسى عليه السّلامقالَ أَلْقِها يا مُوسى ، فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ، قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى .- طه 20 : 21 - لدلالتها على أن إعادة الحية عصا كانت من فعله تعالى كأصل قلبها حية وان فعل موسى عليه السّلام كان مجرد إلقاء العصا الذي هو مقدمة لانقلابها حية .
وجه عدم المنافاة هو إمكان الالتزام بان معجزات الأنبياء كانت على نوعين « أحدهما » ما كان فعلا له تعالى ولكن على يد أنبيائه عليه السّلام ، كالقرآن الكريم المنزل على رسوله الأكرم صلّى اللَّه عليه وآله ، فإنه كلام اللَّه عز وجل ، وكتبريد النار على إبراهيم عليه السّلام ، وخلق ناقة ثمود ، وتليين الحديد لداود عليه السّلام ، وقلب العصا حية لموسى عليه السّلام ، و « الثاني » ما كان فعلا للأنبياء عليهم السّلام كالأفعال المتقدمة المحكية عن عيسى وسليمان وآصف بن برخيا عليهم السّلام ، ولا يوجب ذلك شركا ولا كفرا بعد الاعتراف بأنها سلطنة إلهية فإن ثبوت القدرة لهم على خوارق العادات باذن من اللَّه تعالى لا يلزم حصر صدورها بهم عليهم السّلام ، وانه تعالى لا يفعل شيئا من ذلك .
هذا كله في الأنبياء وقد ثبت بما ذكرنا ثبوت ولايتهم التكوينية على الكائنات ولاية إلهية اعطائية باذن ورخصة منه تعالى وتقدس فيما اقتضتها المصلحة والحكمة الربانية وأشرفهم وخاتمهم