حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه ، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية ، ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة آيات الأحكام ، وأخبار الأحكام ، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنّة ، وإلى معرفة علم العربية ، وإلى معرفة الفرائض والحساب من المعلوم والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها ، وإلى معرفة إجماع الصحابة ، فهذه أدوات الاجتهاد ، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده ، كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد ، وكذلك يجري الحكم في الكتاب إذا أحب الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة ؛ فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة قد ذكرتها في صدر كتابي هذا ، إلا أن رأسها وعمودها وذروة سنامها ثلاثة أشياء : هي حفظ القرآن الكريم ، والإكثار من حفظ الأخبار النبوية ، والأشعار .
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع فأول ما أبدأ به على عقب ذلك أن أقول :
حل الأبيات الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : منها ، وهو أدناها مرتبة ، أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره بلفظه من غير زيادة ؛ وهذا عيب فاحش ، ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه فأوهاه وبدّده ، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة ، فيقال : هذا شعر فلان بعينه ، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء ، وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا لا مستحسنا . كقوله في بعض أبيات الحماسة :
وألدّ ذي حنق عليّ كأنّما * تغلي عداوة صدره في مرجل
أرجيته عنّي فأبصر قصده * وكويته فوق النّواظر من عل
فقال في نثر هذين البيتين : فكم لقي ألدّ ذي حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من عل ، وتغلي عداوة صدره في مرجل ، فكواه فوق ناظريه ، وأكبّه لفمه ويديه . فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لا غير .