تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١

الفصل العاشر في الطريق إلى تعلم الكتابة

هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها ، وما رأيت أحدا تكلم فيه بشيء ، ولما حبّبت إليّ هذه الفضيلة ، وبلّغني اللّه منها ما بلّغني ؛ وجدت الطريق ينقسم فيها إلى ثلاث شعب : الأولى : أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين ، ويطلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني ، ثم يحذو حذوهم ، وهذه أدنى الطبقات عندي . الثانية : أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة : إما في تحسين ألفاظ ، أو في تحسين معان ، وهذه هي الطبقة الوسطى ، وهي أعلى من التي قبلها . الثالثة : أن لا يتصفح كتابة المتقدمين ، ولا يطلع على شيء منها ، بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ ، ثم يأخذ في الاقتباس من هذه الثلاثة ، أعني القرآن والأخبار النبوية والأشعار ، فيقوم ويقع ، ويخطئ ويصيب ، ويضل ويهتدي ، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه ، وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها ، وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد ، وصاحبها يعد إماما في فنّ الكتابة ، كما يعد الشافعيّ وأبو حنيفة ومالك رضي اللّه تعالى عنهم وغيرهم من الأئمة المجتهدين في علم الفقه ، إلا أنها مستوعرة جدا ، ولا يستطيعها إلا من رزقه اللّه تعالى لسانا هجاما ، وخاطرا رقاما ، وقد سهّلت لك صعابها ، وذلّلت محاجّها « 1 » ، وكنت أشحّ « 2 » بإظهار ذلك لما عانيت
هامش
( 1 ) المحاج - بتشديد الجيم - جمع محجة ، والمحجة : المقصد والطريق الذي يسلك . ( 2 ) أشح : أضن ، والشح : البخل ، أو أشده .