تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
فقوله : « تملأ كل أذن حكمة » من الكلام الحسن ، وهو أحسن ما في البيت ، فإذا أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه ؛ لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة ، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله ، وهذا عسر جدا وهو عندي أصعب منالا من ناثر الشعر بغير لفظه ؛ لأنه مسلك مضيق ؛ لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة ، وأما نثر الشعر بغير لفظه ؛ فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه ، ولا يكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته . وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت : وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر ، وفاق مسير الشمس والقمر ، وإذا عوف الكلام صارت المعرفة له علامة ، وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة ، ومن خصائص صفاته أن يملأ كل أذن حكمة ، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة ، وإذا جرت نفثاته في الأفهام قالت : أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة . فانظر كيف فعلت في هذا الموضع ؟ فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها ، فجئت بهذا الفصل كما تراه ، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله . وأما القسم الثالث : وهو أعلى من القسمين الأولين ، فهو أن يؤخذ المعنى فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه ، وثمّ يتبين حذق الصائغ في صياغته ، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته ؛ فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية ، وإلا أحسن التصرف ، وأتقن التأليف ؛ ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول . واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره ، فيورده بضروب من العبارات ، وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة ، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألّا يخرج عن ذلك اللفظ ، وإنما يكون هذا لعدم النظير . فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي :
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 95 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي