تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
لا تعذل المشتاق في أشواقه * حتّى يكون حشاك في أحشائه « 1 »
وقد نثرت هذا المعنى ، فمن ذلك قولي : لا تعذل المحبّ فيما يهواه ، حتى تطوي القلب على ما طواه ؛ ومن ذلك وجه آخر ، وهو : إذا اختلفت العينان في النظر ، فالعذل ضرب من الهذر . ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضا :
إنّ القتيل مضرّجا بدموعه * مثل القتيل مضرّجا بدمائه « 2 »
أخذت هذا المعنى فنثرته ؛ فمن ذلك قولي : القتيل بسيف العيون ، كالقتيل بسيف المنون ، غير أن ذلك لا يجرّد من غمده ، ولا يقاد صاحبه بعمده ؛ فزدت على المعنى الذي تضمّنه البيت ، وغيرت اللفظ ؛ ومن ذلك وجه آخر ، وهو : دمع المحبّ ودم القتيل ، متّفقان في التشبيه والتمثيل ، ولا تجد بينهما بونا ، إلا أنهما يختلفان لونا . وهذا أحسن من الأول . وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه ؛ فكقول أبي تمام :
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى * لها اللّيل إلّا وهي من سندس خضر « 3 »
هامش
( 1 ) هذا البيت من قصيدة له أولها :القلب أعلم يا عذول بدائه * وأحقّ منك بجفنه وبمائهوقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى من قول البحتري :إذا شئت ألّا تعذل الدّهر عاشقا * على كمد من لوعة البين فاعشق( 2 ) هذا البيت من نفس القصيدة التي منها البيت السابق . ( 3 ) هذا بيت من قصيدة له مشهورة ، وأولها قوله :كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر * فليس لعين لم يفض ماؤها عذروانظر الديوان ( ص 368 ) .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 96 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي