في نيله من العناء ؛ فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرا ، وإنما تكون نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقة وصولها :
ليس حلوا وجودك الشّيء تبغي * ه طلابا حتّى يعزّ طلابه « 1 »
ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها ، وأظفرتني بكنوز جواهرها ؛ إذ لم يظفر غيري بأحجارها ؛ فما وجدت أعون الأشياء عليها إلا حل آيات القرآن الكريم والأخبار النبوية ، وحل الأبيات الشعرية ، وقد قصرت هذا الفصل على ذكر وجوهها ، وتقسيمها ، وتمهيد الطريق إلى تعليمها ، فمن وقف على ما ذكرته علم أنّي لم آت شيئا فريّا ، وأن اللّه قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريّا ، وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة ، والّذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف ، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف ، ولو استخرج منها ما استخرجت ، واستنتج ما استنتجت ؛ لهام بها في كل واد ، وتزوّد إلى سلوك طريقها كل زاد :
لو يسمعون كما سمعت كلامها * خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا « 2 »
ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم ، والأخبار النبوية ، والشعر ، بحيث إنه لا ينشئ كتابا إلا من ذلك ، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار ، ثم نقّب عن ذلك تنقيب مطّلع على معانيه ، مفتّش عن دفائنه ، وقلّبه ظهرا لبطن ؛ عرف
هامش
( 1 ) هذا بيت للبحتري من قصيدة له يمدح فيها إسماعيل بن بلبل ، وأولها قوله :عاد للصّب شجوه واكتئابه * ببعاد الّذي يراد اقترابهورواية البيت الذي ذكره المؤلف في الديوان هكذا :ليس يحلو وجودك الشّيء تبغي * ه التماسا حتّى يعزّ طلابه( 2 ) هذا البيت لكثير عزة ، وقبله قوله :رهبان مدين والّذين عهدتهم * يبكون من حذر العذاب قعودا