تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ذلك من مشكلات علم العربية ، فأنا إمام الناس في زماني هذا ، وإذا عرضت لي حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب إليه شيئا في أمرها أحجم عن ذلك ؛ لأني أرتّب المعنى ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية فلا أستطيع ذلك . ولقد صدق في قوله هذا ، وأنصف غاية الإنصاف . ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع ، وما منهم إلا من يقع له المعنى الشريف ، ويظهر من خاطره المعنى الدقيق ، ولكنه لا يحسن أن يزاوج بين لفظتين . فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول ، وعلى هذا فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني ؛ فإنه لا يمنع الجاهل الذي لا يعرف علما من العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة ، واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلّم العلم . وبلغني أن قوما ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات ، وينادون بالسحور ، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب ، وسمعت شيئا منه فوجدت فيه معاني حسنة مليحة ، ومعاني غريبة ، وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة « 1 » . وهذا الركن أيضا يشترك فيه الكاتب والشاعر . الركن الخامس : أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية ؛ فإنها معدن الفصاحة والبلاغة ، وإيراد ذلك على الوجه الذي أشرت إليه في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حلّ معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية أحسن من إيراده على وجه التضمين ، وتوخّي ذلك في كل كتاب عسر جدا ، وأنا انفردت بذلك دون غيري من الكتاب ، فإني استعملته في كل كتاب ، حتى إنه ليأتي في الكتاب الواحد في عدة مواضع منه ، ولقد أنشأت تقليدا لبعض الملوك مما يكتب من ديوان الخلافة ، ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات والأخبار
هامش
( 1 ) في ب ، ج « وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت به صيغة » ولا يظهر لنا فيه وجه .