تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
أريد بذلك أن تكون ألفاظا غريبة ؛ فإن ذلك عيب فاحش ، بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا ، يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس ، وهي مما في أيدي الناس ، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر براعتها ، والأقلام شجاعتها ، كما قال البحتري :
باللّفظ يقرب فهمه في بعده * عنّا ويبعد نيله في قربه « 1 »
وهذا الموضع بعيد المنال ، كثير الإشكال ، يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر ، وهو شبيه بالشيء الذي يقال : إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم ، فلفظه هو الذي يستعمل ، وليس بالذي يستعمل : أي أن مفردات ألفاظه هي المستعملة المألوفة ، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب . وإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة ، واستطعمت طعم هذا الكلام المشار إليه ؛ علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال اللّه فيها :
قل الروح من أمر ربي
وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم . ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني ، بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولا تكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه ، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله ، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسما لمعنى شريف ، على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها . ويحكى عن المبرد رحمه اللّه تعالى أنه قال : ليس أحد في زماني إلا وهو يسألني عن مشكل من معاني القرآن ، أو مشكل من معاني الحديث النبوي ، أو غير
هامش
( 1 ) هو من قصيدة له يمدح فيها الحسن بن وهب ، وأولها قوله :من سائل لمعذّل عن خطبه * أو صافح لمقصّر عن ذنبه