منه ، بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة ، وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها ، فإن كل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع ، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع ، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه .
فإن قيل : لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها وعلم بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعا والمفعول منصوبا ؟ .
فالجواب عن ذلك أنا نقول : هذه الأدلة واهية « 1 » لا تثبت على محكّ الجدل ؛ فإن هؤلاء الذين تصدّوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم ، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا ، وإلا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها .
هامش
( 1 ) اشتهرت هذه الكلمة عن أدلة النحو وعلله ، وهذه كلمة من لم يمارس هذا العلم الجليل ممارسة الباحث المنقب ، ولم يؤت سعة صدر تسهل عليه احتمال المكاره وركوب الصعاب ؛ فإن آتاه اللّه نفاذ بصر وقوة عارضة وسعة اطلاع ، وكان مع ذلك عالما باستعمالات العرب خبيرا بما يكثر في كلامها وما يقل وما يأتي على جهة الندرة والشذوذ ، إذا اجتمعت هذه الأمور لامرئ أدرك تماما أن هذه الأدلة التي يذكرها النحاة أدلة مستقيمة على أحسن وجوه البحث ؛ وإنما الذي دعا المؤلف إلى هذه المقالة ودعا كثيرا غيره إلى مثلها كثرة الترديدات والمجادلات في الدليل الواحد ؛ ولهذا البحث موضع غير هذا .