تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وأما الوجه الوضعي : فهو أن المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة التي هي وضع الأسماء على المسميات ، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمى شمسا ، ولا أن الرجل الجواد يسمى بحرا ، وإنما أهل الخطابة والشعر توسعوا في الأساليب المعنوية ، فنقلوا الحقيقة إلى المجاز ، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع ، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية . هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله ؛ فمن ذلك أنه أول من عبّر عن الفرس بقوله : « قيد الأوابد » « 1 » ولم يسمع ذلك لأحد من قبله . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال يوم حنين : « الآن حمي الوطيس » وأراد بذلك شدة الحرب ؛ فإن الوطيس في أصل الوضع هو التّنّور ، فنقل إلى الحرب استعارة ، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وواضع اللغة ما ذكر شيئا من ذلك ؛ فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه ، ومجازا بتوسعات أهل الخطابة والشعر . وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل ، ولو كان هذا موقوفا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده ، ولا زيد فيه ، ولا نقص منه . وأما الفرق بينه وبين الحقيقة فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائر ؛ ألا ترى أنا إذا قلنا : « فلان عالم » صدق على كل ذي علم ، بخلاف
وسئل القرية
لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض ؛ إذ المراد أهل القرية ،
هامش
( 1 ) من ذلك قوله :وقد أغتدي والطّير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكلوالأوابد : الوحوش ، ومعنى كونه قيدها أنه لسرعته لا يمكنها الهرب منه ، وهيكل : جسيم .