تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : نظريّ ، والآخر : وضعيّ . أما النظري : فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني » ولو كان ما ذهبت إليه صحيحا لكان البحر يطلق على هذا الماء العظيم الملح ، وعلى الرجل الجواد ، بالاشتراك ، وكذلك الشمس أيضا ؛ فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء ، وعلى الوجه المليح ، بالاشتراك ، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصّصه فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته ، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك ؛ فإنا إذا قلنا شمس أو بحر وأطلقنا القول لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد ، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم ، لا غير ، فبطل إذا ما ذهبت إليه بما بيّناه وأوضحناه . فإن قلت : إن العرف يخالف ما ذهبت إليه ؛ فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلا إلى المجاز دون الحقيقة ، كقولهم الغائط ، فإن العرب خصّص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض . قلت في الجواب : هذا شيء ذهب إليه الفقهاء ، وليس الأمر كما ذهبوا إليه ؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامة الناس من إسكاف وحدّاد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم فهؤلاء لا يفهمون من الغائط إلا قضاء الحاجة ؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة وأنها مطمئن من الأرض ، وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلى الحقيقة لا غير ، ألا ترى أن هذه اللفظة لما وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك ، كقوله تعالى :
أو جاء أحد منكم من الغائط *
فإن قوله :
أو جاء أحد منكم من الغائط *
دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض ، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقة والنقل عنه مجازا ، وأما الجهال فلا اعتبار بهم ، ولا اعتداد بأقوالهم . والعجب عندي من الفقهاء الذين دوّنوا ذلك على ما دوّنوه ، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه .