لأنهم ممن يصح السؤال لهم ، ولا يجوز أن يقال : واسأل الحجر والتراب ، وقد يحسن أن يقال : واسأل الربع والطلل « 1 » .
واعلم أن كل مجاز فله حقيقة ؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له ؛ إذ المجاز هو اسم للموضع الذي ينتقل فيه من مكان إلى مكان ، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها .
وإذا كان كل مجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز ، فإن من الأسماء ما لا مجاز له ، كأسماء الأعلام ؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات .
وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها ، وليس الأمر كذلك ؛ لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانا ، ألا ترى أن حقيقة قولنا : « زيد أسد » هي قولنا : « زيد شجاع » لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع ؛ لأن قولنا :
هامش
( 1 ) من ذلك قول الأعشى :ألم تسأل الرّبع القواء فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملقوقول عنترة :طال الثّواء على رسوم المنزل * بين اللّكيك وبين ذات الحرمل
فوقفت في عرصاتها متحيّرا * أسل الدّيار كفعل من لم يذهلوقوله أيضا :لمن طلل بوادي الرّمل بال * محت آثاره ريح الشّمال
وقفت به ودمعي من جفوني * يفيض على مغانيه الخوالي
أسائل عن فتاة بني قراد * وعن أترابها ذات الجمال
وكيف يجيبني رسم محيل * بعيد لا يعنّ على سؤالي