الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة
اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج ، ومسلك متوعر على الناهج ، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه ، ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل .
وغاية ما يقال في هذا الباب : إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي ، يقال : أفصح الصّبح ، إذا ظهر ، ثم إنهم يقفون عند ذلك ، ولا يكشفون عن السر فيه .
وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة ؛ لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات :
أحدها : أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا ، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا .
الوجه الآخر : أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنّسب والإضافات إلى الأشخاص ؛ فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد ، ولا يكون ظاهرا لعمرو ، فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا ، وليس كذلك ، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع ، لا خلاف فيه بحال من الأحوال ؛ لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف .
الوجه الآخر : أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع ، وهو مع ذلك ظاهر بين ، ينبغي أن يكون فصيحا ، وليس كذلك ؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ ، لا وصف قبح .
فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل : « إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البين » من غير تفصيل .