تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠

الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة

اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج ، ومسلك متوعر على الناهج ، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه ، ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل . وغاية ما يقال في هذا الباب : إن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي ، يقال : أفصح الصّبح ، إذا ظهر ، ثم إنهم يقفون عند ذلك ، ولا يكشفون عن السر فيه . وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة ؛ لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات : أحدها : أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بيّنا لم يكن فصيحا ، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا . الوجه الآخر : أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنّسب والإضافات إلى الأشخاص ؛ فإن اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد ، ولا يكون ظاهرا لعمرو ، فهو إذا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا ، وليس كذلك ، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع ، لا خلاف فيه بحال من الأحوال ؛ لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف . الوجه الآخر : أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع ، وهو مع ذلك ظاهر بين ، ينبغي أن يكون فصيحا ، وليس كذلك ؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ ، لا وصف قبح . فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل : « إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البين » من غير تفصيل .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 80 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي