تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
الثعلب ، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين ، فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر ، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك وإشباع القول في تحقيقه في باب الاستعارة ، فليؤخذ من هناك . وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه ، وذهب آخرون إلى أنه كله مجاز لا حقيقة فيه ، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي . وسأجيب الخصم عما ادّعاه فيهما ، فأقول : محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كلها مجاز ، ولا فرق عندي بين قولك إنها كلها حقيقة أو إنها كلها مجاز ، فإن كلا الطرفين عندي سواء ؛ لأن منكرهما غير مسلّم لهما ، وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازا ، والحقيقة اللغوية هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني ، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء أي نفسه وعينه ؛ فالحقيقة اللفظية إذا هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة ، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره . وتقرير ذلك بأن أقول : المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدل بها عليها ؛ ليعرف كل منها باسمه ، من أجل التفاهم بين الناس ، وهذا يقع ضرورة لا بدّ منها ؛ فالاسم الموضوع بإزاء المسمى هو حقيقة له ، فإذا نقل إلى غيره صار مجازا ، ومثال ذلك : أنا إذا قلنا شمس أردنا به هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء ، وهذا الاسم له حقيقة ؛ لأنه وضع بإزائه ، وكذلك إذا قلنا بحر أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح ، وهذا الاسم له حقيقة ؛ لأنه وضع بإزائه ، فإذا نقلنا الشمس إلى الوجه المليح استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة ، وكذلك إذا نقلنا البحر إلى الرجل الجواد استعارة كان ذلك له مجازا لا حقيقة . فإن قيل : إن الوجه المليح يقال له شمس ، وهو حقيقة فيه ، وكذلك البحر يقال للرجل الجواد ، وهو حقيقة فيه .