« زيد شجاع » لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام ، فإذا قلنا : « زيد أسد » يخيّل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة ، ودق الفرائس ، وهذا لا نزاع فيه .
وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال ؛ حتى إنها ليسمح بها البخيل ، ويشجع بها الجبان ، ويحكم بها الطائش المتسرع ، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر ، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول ، وهذا هو فحوى السحر الحلال ، المستغني عن إلقاء العصا والحبال .
واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه ؛ فانظر : فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة ؛ لأنها هي الأصل والمجاز هو الفرع ، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة .
مثال ذلك قول البحتري :
مهيب كحدّ السّيف لو ضربت به * ذرى أجإ ظلّت وأعلامها وهد « 1 »
ويروى أيضا : « لو ضربت به طلى أجإ » جمع طلية ، وهي العنق ، فهذا البيت لا يجوز حمله على المجاز ؛ لأن الحقيقة أولى به ، ألا ترى أن الذرى جمع ذروة ، وهو أعلى الشيء ، يقال : ذروة الجبل ، أعلاه ، والطّلى : جمع طلية ، وهي العنق ، والعنق : أعلى الجسد ، ولا فرق بينهما في صفة العلو هنا ، فلا يعدل إذا إلى المجاز ؛ إذ لا مزية له على الحقيقة .
وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى ؛ فإنه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه .
هامش
( 1 ) هو من قصيدة له يصف فيها الذئب وكان قد لقيه ، وأولها قوله :سلام عليكم لا وفاء ولا عهد * أما لكم من هجر أحبابكم بدّورواية الديوان « مهيبا » بالنصب ، والخطب سهل ، وانظر الديوان ( 1 - 185 مصر ) .