تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

الفصل السابع في الحقيقة والمجاز

وهذا الفصل مهم كبير من مهمات علم البيان ، لا ، بل هو علم البيان بأجمعه ؛ فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة ، وسيرد بيانها في مواضعها من هذا الكتاب ، إن شاء اللّه تعالى ، وقد نبهنا في هذا الموضع على جملتها دون تفصيلها . فأما الحقيقة فهي : اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلي . وأما المجاز فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة ، وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع ؛ إذا تخطّاه إليه ؛ فالمجاز إذا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما ، وحقيقته هي الانتقال من مكان إلى مكان ، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محلّ إلى محل ، كقولنا : زيد أسد ؛ فإن زيدا إنسان ، والأسد هو هذا الحيوان المعروف ، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية : أي عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما ، وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة ، وقد يكون العبور لغير وصلة ، وذلك هو الاتّساع ، كقولهم في كتاب كليلة ودمنة : قال الأسد ، وقال الثعلب ؛ فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحال من الأحوال ، وإنما أجرى عليهما اتّساعا محضا لا غير ، ولهذا مثال في المجاز الحقيقي الذي هو المكان المجاز فيه ، فإنه لا يخلو إما أن يجاز من سهل إلى سهل ، أو من وعر إلى وعر ، أو من سهل إلى وعر ؛ فالجواز من سهل إلى سهل أو من وعر إلى وعر هو كقولنا : زيد أسد ؛ فالمشابهة الحاصلة « 1 » في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان ، والجواز من سهل إلى وعر كقولهم : قال الأسد ، وقال
هامش
( 1 ) في الأصول « فالمشابهة حاصلة - إلخ » وهو تحريف سببه ظن الناسخين أن قوله « حاصلة » خبر ، والصواب ما أثبتناه ؛ والخبر هو قوله « كالمشابهة - إلخ » .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 74 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي