أن يقول كلمة واحدة ، وهو أقلف اللسان « 1 » ، يسيء العبارة ، فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا ، فقال : ظلام الليل يهديني إلى باب من أودّه ، وضوء النهار يضلّ بي عن باب من لا أوده ، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها ، وهو من الحكمة المطلوبة .
وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأغتام « 2 » الأعجام ، فسألته عن حاله ، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها ، وعظمت آلامها ، فقال لي في الجواب ما معناه : إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب ؛ وهذا معنى لو أتى به شاعر مفلق ، أو كاتب بليغ ؛ لاستحسن منه غاية الاستحسان .
وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة العدو الكافر من الفرنج لعنهم اللّه ، وتقابل الفريقان على مدينة يافا ، وكان إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين ، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو ، فلما حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد ، فقيل له في ذلك ، فقال : الموت طعام لا تجشّه المعدة « 3 » فلما سمعت هذه الكلمة استحسنتها ، وإذا هي صادرة عن رجل من أهل بصرى فدم من الأفدام « 4 » .
ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت ، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على المراد ، وهو أنه يجب على المتصدّي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس
هامش
( 1 ) كذا بالأصول : وهذه العبارة تحتمل معنيين متضادين : أولهما : أنه طويل اللسان ، وأصل الأقلف الذي لم يختتن ، ويقال : عام أقلف ، وسنة قلفاء ، إذا كان فيهما الخصب . وثاني :
المعنيين أنه قصير اللسان من قولهم : قلف الشجرة ، إذا نحى عنها قشرها ، والأول أقرب لقوله بعد « يسيء العبارة » .
( 2 ) الأغتام : جمع غتم - بضم فسكون - والغتم : جمع أغتم ؛ وهو الذي لا يبين شيئا ، وجمع الجمع مما لا يقاس ، ولكن المؤلف أخذ هذه الكلمة من قول المتنبي :للّه ما فعل الصّوارم والقنا * في عمرو حاب وضبّة الأغتام( 3 ) جش الشيء يجشه - مثل ردّه يرده - إذا دقه وكسره ، ويقال للسويق : جشيش .
( 4 ) الأفدام : جمع فدم ؛ والفدم - بفتح فسكون - العييّ الثقيل .