تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩

الفصل السادس في الحكمة التي هي ضالة المؤمن

قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحكمة « 1 » ضالّة المؤمن فهو أحقّ بها إذا وجدها » ؛ والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها ، كما يقال : ربّ رمية من غير رام ، وهذا لا يخص علما واحدا من العلوم ، بل يقع في كل علم ، والمطلوب منه هاهنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة ، دون غيره ، ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كدّي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم ، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم مقدار ما يقوله ، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددا ، وأنا أذكر منها طرفا يستدل به على أشباهه ونظائره . فمن ذلك أني سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدويّ من الأنباط لا يعتدّ بقوله ، فكان يقول : غدا ندخل البلد وتشتغل عني ، وكان الأمر كما قال ، فدخلت مدينة حلب وشغلت عنه أياما ، ثم لقيني فقال لي : من تروّى فترت عظامه ، وهذا القول من الأقوال البليغة ، وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة والبلاغة . ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئا يناسب قوله الأول ، فإني سفرت له إلى صاحب في حلب في شيء أخذته منه ، فاستقله ، وقال : الماء أروى لشدوق النّيب « 2 » وهذا أيضا من الحكمة في بابها . وسافرت مرة أخرى على طريق المناظر ، وكان في صحبتي رجل بدوي ،
هامش
( 1 ) في الأصول « الكلمة الحكمة ضالة المؤمن » وهو زيادة عما ورد في الحديث . ( 2 ) الشدوق : جمع شدق ، والشدق - بكسر فسكون - جانب الفم ، والنيب : جمع ناب ، والناب : الناقة المسنة ، وتجمع أيضا على أنياب ونيوب .