تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فسألته عن مسافة ما بين تدمر وأراك ، فقال : إذا خرج سرحاهما تلاقيا « 1 » ، فعبر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها . ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا ، فقال : قد ظهر الصبح إلا أنه لم يملك الإنسان بصره ، وهذا القول من الحكمة أيضا . وكان تزوج غلام من غلماني بدمشق ، فوقعت المرأة منه بموقع ، وشغف بها ، ثم إني سافرت عن دمشق لمهم عرض لي ، وسافر ذلك الغلام في صحبتي ، فلما عدنا من السفر شغل بامرأته والمقام عندها ، فسألته عن حاله ، فقال : إنها قد طالت وحسنت ، وهي كذا وكذا ، وأخذ يصفها ؛ فقال أخ له كان حاضرا : يا مولاي ، هي تلك لم تزد شيئا ، وإنما هي في عينه جبّار من الجبابرة « 2 » ، وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة ، وهو معدود من أبيات المعاني :
أهابك إجلالا وما بك قدرة * عليّ ولكن ملء عين حبيبها
فكثيرا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال . وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابيش الذين لا يستطيعون تقويم صيغ الألفاظ ، فضلا عما وراء ذلك ، وذاك أنه رأى صبيا في يده طاقة ريحان ، فقال : هذه طاقة آس تحمل طاقة ريحان ، فلما سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب ، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى ، وهو قوله :
ووردة جاء بها شادن * في كفّه اليمنى فحيّانا سبّحت ربّي حين أبصرتها * ريحانة تحمل ريحانا
وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطبّ ، وكان لا يحسن
هامش
( 1 ) السرح - بفتح السين وسكون الراء - المال السائم من إبل وغنم ونحوهما . ( 2 ) في ج « من الجبارة » ، وهو تحريف ، والتصويب عن ب .