تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
بالقوادح ، وقلّة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارا تستغرق القلوب ، وهذه عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسدّ مسدها . وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي :
سقى اللّه أوطارا لنا ومآربا * تقطّع من أقرانها ما تقطّعا ليال تنسّيني اللّيالي حسابها * بلهنية أقضي بها الحول أجمعا سوى غرّة لا أعرف اليوم باسمه * وأعمل فيه اللّهو مرأى ومسمعا « 1 »
فقوله : « لا أعرف اليوم باسمه » من الكلمات الجامعة : أي أني قد شغلت باللذات عن معرفة الليالي والأيام ، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم يأت بمثل قوله : « لا أعرف اليوم باسمه » . وأما القسم الثاني من جوامع الكلم ، فالمراد به الإيجاز الذي يدلّ به بالألفاظ « 2 » القليلة على المعاني الكثيرة : أي أن ألفاظه صلوات اللّه عليه جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها ، وجلّ كلامه جار هذا المجرى ؛ فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به ، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ومقنع . فإن قيل : فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما ؛ فإنهما في النظر سواء ؟ . قلت في الجواب : إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالة على معنى من غير أن تزيد على ذلك المعنى ، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها ؛ فإنها تكون قد اتّصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز ، وحينئذ يكون إيجازا وزيادة . وأما
هامش
( 1 ) في الأصول « سوى عزة » وهو تحريف . ( 2 ) الباء في قوله « يدل به » دالة على معنى غير المعنى الذي تدل عليه الباء في قوله « بالألفاظ » ، وهذا أمر حتم ؛ لأنه لا يجوز أن يتعدى الفعل مرتين بحرف جر ومعناه واحد في المرتين ؛ والباء الأولى للاستعانة والثانية للتعدية ، والمعنى يدل بالألفاظ القليلة على المعنى الكثير بواسطة الإيجاز .