قديمها وحديثها ، وحفظت ما حفظت منها ، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر ، وطربا كطرب الألحان ، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له ، سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه ، ويظنه كغيره من الألفاظ المستحسنة .
فمما جاء من ذلك قول أبي تمام « 1 » :
كم صارم عضب أناف على فتى * منهم لأعباء الوغى حمّال « 2 »
سبق المشيب إليه حتّى ابتزّه * وطن النّهى من مفرق وقذال « 3 »
فقوله : « وطن النّهى » من الكلمات الجامعة ، وهي عبارة عن الرأس ، ولا يجاء بمثلها في معناها مما يسدّ « 4 » مسدّها :
وكذلك ورد قول البحتري :
قلب يطلّ على أفكاره ، ويد * تمضي الأمور ، ونفس لهوها التّعب
فقوله : « قلب يطلّ على أفكاره » من الكلمات الجوامع ، ومراده بذلك أن قلبه لا تملؤه الأفكار ، ولا تحيط به ، وإنما هو عال عليها ، يصف بذلك عدم احتفاله
هامش
( 1 ) هذان البيتان من قصيدة لأبي تمام يمدح فيها المعتصم ويذكر أخذ بابك ، وأولها قوله :آلت أمور الشّرك شرّ مآل * وأقرّ بعد تخمّط وصيالآلت : رجعت ، والمآل : المرجع ، والتخمط : التكبر ، والصيال : التسلط وانظر الديوان ( ص 259 ) .
( 2 ) وقع هذا البيت منحرفا في أصول هذا الكتاب ؛ فجاء فيها « على قفا » وجاء فيها « منهم لأعبا الوغى » والتصحيح عن الديوان ( ص 263 ) .
( 3 ) ضبط في الديوان « وطن النهي » بالرفع ، وهو خطأ ، وصوابه نصب « وطن النهي » على أنه مفعول ثان لابتز . والمفرق : وسط الرأس ، والقذال : مؤخره .
( 4 ) لا ، بل جاء بمثله كناية عن القلب ذلك الذي يقول :الضّاربين بكلّ أبيض مخذم * والطّاعنين مجامع الأضغان