تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور . وعلى هذا ورد قول الشاعر في أبيات الحماسة « 1 » :
ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد * عليّ لإنسان من النّاس درهما ولكنّني مولى قضاعة كلّها * فلست أبالي أن أدين وتغرما
فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحا وذما : أي أنهم كانوا يغنونه بعطائهم أن يدين ، أو أنه كان يخاف الدّين حذر أن لا يقوموا عنه بوفائه ، لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذم وليس بمدح « 2 » ؛ فهذا المعنى لا يتحقق فهمه إلا بآخره . وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى :
« وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم »
؛ فهذا مستنبط منه معنيان : أحدهما : أن اللّه يعلم السر والجهر في السماوات والأرض ، وفي ذلك تقديم وتأخير : أي يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض ؛ والآخر : أنه في السماوات ، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم ؛ لأن الوقف يكون على السماوات ثم يستأنف الكلام ، فيقول : يعلم سركم وجهركم في الأرض ، إلا أن هذا يمنع منه اعتقاد التجسيم ، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ .
هامش
( 1 ) هو شقران - بضم فسكون - مولى بني سلامان - بفتح السين واللام مخففة - وهم من قضاعة ، وانظر ( ص 152 ج 4 من شرح التبريزي ) . ( 2 ) أخطأ المؤلف في ذلك خطأ شنيعا ، لأن الشاعر يقول بعد هذين البيتين :أولئك قومي بارك اللّه فيهم * على كلّ حال ، ما أعفّ وأكرما ثقال الجفان والحلوم رحاهم * رحا الماء يكتالون كيلا غذمذماوقد فسر التبريزي البيتين اللذين ذكرهما المؤلف بقوله : « يقول : لو كان ولائي في قيس عيلان لاقتديت بهم في الكف عن الإنفاق لئلا يركبني دين ، ولكن ولائي في قضاعة ، ومهما أخذت عليّ من الدين غرمت عني ؛ فلا أبالي في أي وجه أنفق من وجوه البر » اه ، ولا تظن أن قوله « على كل حال » في البيت الأوّل مما أنشدناه لك يشير إلى أنهم بخلاء وأنه راض عنهم مع ذلك ؛ لأن معناه ليس كما يسبق إلى ذهنك ، بل معناه بارك اللّه فيهم متحوّلين ومتنقلين في أحوال الدهر وتصاريفه . والغذمذم : الكثير الذي لا حساب له ، بل يكون جزافا .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 64 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي