تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥

الفصل الخامس في جوامع الكلم

قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوتيت جوامع الكلم » فالكلم : جمع كلمة ، والجوامع : جمع جامعة ، والجامعة : اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة ، كما يقال في المذكر : جمع فهو جامع ، والمراد بذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أوتي الكلم الجوامع للمعاني ، وهو عندي ينقسم قسمين : القسم الأول منهما هو ما استخرجته ونبهت عليه ، ولم يكن لأحد فيه قول سابق ، وهو أن لنا ألفاظا تتضمن من المعنى ما لا تتضمنه أخواتها مما يجوز أن يستعمل في مكانها ؛ فمن ذلك ما يأتي على حكم المجاز ، ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة : أما ما يأتي على حكم المجاز فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم يوم حنين : « الآن حمي الوطيس » ؛ وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا : « استعرت الحرب » لما كان مؤديا من المعنى ما يؤديه « حمي الوطيس » والفرق بينهما أن الوطيس هو التّنّور ، وهو موطن الوقود ومجتمع النار ، وذلك يخيل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في حميها وتوقّدها ، وهذا لا يوجد في قولنا : « استعرت الحرب » أو ما جرى مجراه . وكذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت في نفس السّاعة » فقوله : « نفس الساعة » من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها ؛ لأن المراد بذلك أنه بعث والساعة قريبة منه ، لكن قربها منه لا يدل على ما دل عليه النّفس ، وذاك أن النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحس الإنسان بنفس من هو إلى جانبه ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في موضع آخر : « بعثت أنا والسّاعة كهاتين » وجمع بين إصبعيه السّبّابة والوسطى ، ولو قال بعثت على قرب من الساعة أو والساعة قريبة مني لما دلّ ذلك على ما دلّ عليه نفس الساعة ، وهذا لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه ؛ لأنه بيّن واضح . وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفلقين ، ولقد تصفحت الأشعار