تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
الحجاب بينه وبين الناس ، والجلوس للحكم في أوقات راحته ، وغير ذلك من الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألما مبرّحا ، والذبح هو قطع الحلقوم ، والألم حاصل به ، وهو كالذبح الحقيقي ، بل أشد منه ؛ لأن ألم الذبح الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول ، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ينقضي ، وهو أشد العذاب . قال اللّه في عذاب أهل النار :
« وحيل بينهم وبين ما يشتهون »
وقال في نعيم أهل الجنة :
« وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين »
. وكثيرا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه ، وركوب الأهوال من أجله ، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه : أي قطعها عنه كما يقطع الذابح حلق الذبيحة ؛ ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » فسمّى جهاد الكفار الجهاد الأصغر وجهاد النفس الجهاد الأكبر ، فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف فكذلك قطعها عن هواها ذبح بغير سكين ، وهذا موضع غامض ، والترجيح فيه مختص بالوجه الآخر ؛ لاشتماله على المعنى المقصود ، وهو المراد من القضاة على الإطلاق . وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبا لمعنى تقدمه أو لمعنى تأخر عنه والآخر غير مناسب : فالأول : هو ما كان مناسبا لمعنى تقدمه كقوله تعالى :
« لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا »
فالدعاء هاهنا يدل على معنيين : أحدهما : النهي أن يدعى الرسول باسمه ؛ فيقال : يا محمد ، كما يدعو بعضهم بعضا بأسمائهم ، وإنما يقال له : يا رسول اللّه ، أو يا نبي اللّه ؛ الآخر : النهي أن يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض ، بل يتأدبون معه ؛ بأن لا يفارقوا مجلسه إلا بإذنه ، وهذا الوجه هو المراد ؛ لمناسبة معنى الآية التي قبله وهو قوله تعالى :
« إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه »
وأما الثاني : وهو ما كان مناسبا لمعنى تأخر عنه فكقوله تعالى : « والتين والزيتون . وطور سينين » فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف ، وهما اسما جبلين أيضا ، وتأويلهما بالجبلين أولى ؛