تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التام والمقدر ، أما التام فإن ابن كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة ، والسنة : الجدب ؛ فرده وقال : قد غذا الناس البنات مذ قام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنا أيضا أغذو هذه ، ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل ، وفيه وجه آخر ، وهو أنهم كانوا يئدون البنات قبل الإسلام ، فلما جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن ذلك ، فقوله : « غذا الناس مذ قام النبي الجواريا » أي في النساء كثرة ، فتزوج بعضهنّ وخلّ ابنتي ، وهذان المعنيان هما اللذان دلّ عليهما ظاهر اللفظ ، وأما المعنى المقدر الذي يعلم من مفهوم الكلام ، فإنه يقول : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بإحياء البنات ، ونهى عن الوأد ، ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها ؛ إذ لا فرق بين إنكاحك إياها وبين وأدها ، وهذا ذم للمخاطب ، وهو معنى دقيق ، ومجيء المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر . وأما ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه فإن ذلك أدق من الأول ، وألطف مأخذا . فمما ورد منه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من جعل قاضيا بين النّاس فقد ذبح بغير سكّين » فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما ، فالتام منهما يدل على أنه من جعل قاضيا فقد عرض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين ، وأما المقدر فإنه يدل على أنه من جعل قاضيا فقد أمر بمفارقة هواه ، وهذا لا يدل عليه اللفظ بنفسه ، بل يستدل عليه بقرينة أخرى ، ولكنها ليست من توابعه ، ووجه ذلك أن لفظ الحديث عام يشتمل القضاة على الإطلاق ، ولا يخلو إما أن يراد به عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا ، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة ؛ لأنه ليس كل قاض معذبا في الآخرة ، بل المعذب منهم قضاة السوء ، فوضع بهذا أن المراد بالحديث عذاب الدنيا ، وعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون العذاب صورة أو معنى ، ولا يجوز أن يكون صورة ؛ لأنا نرى الإنسان إذا جعل قاضيا لا يذبح ولا يناله شيء من ذلك ، فبقي أن يكون المراد به عذابا معنويا ، وهو الذبح المجازي غير الحقيقي ، وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركبة على حبّ هواها ، فإذا جعل قاضيا فقد أمر بترك ما جبل على حبه : من الامتناع عن الرّشوة ، والحكم لصديقه على عدوّه ، ورفع
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 62 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي