فمما جاء من ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « في سائمة « 1 » الغنم زكاة » ؛ فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان : أحدهما : تام ، والآخر : مقدر ، فالتام دلالته على وجوب الزكاة في السائمة لا غير ، والمقدّر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة ، إلا أنه ليس مفهوما من نفس اللفظ ، بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له ، وهي أنه لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة علم من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها ، وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها ، وليس هذا موضعها ، والذي يترجح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدر ، وهو الذي يسميه الفقهاء مفهوم الخطاب .
وله في الشعر أشباه ونظائر :
فمما ورد من ذلك شعرا قول جزء بن كليب الفقعسي « 2 » من شعراء الحماسة ، وقد خطب إليه ابن كوز ابنته فرده :
تبغّى ابن كوز والسّفاهة كاسمها * ليستاد منّا أن سنونا لياليا « 3 »
فلا تطلبنها يا ابن كوز فإنّه * غذا النّاس مذ قام النّبيّ الجواريا « 4 »
هامش
( 1 ) السائمة : التي ترعى ، وتقول : سامت الماشية تسوم ، إذا رعت ، وتقول : أسامها صاحبها ، وفي التنزيل :« فيه تسيمون »أي تخرجون ماشيتكم لترعاه ، وجمع السائمة سوائم .
( 2 ) في الأصول « جرى بين كلب الفقعسي » ، والذي في ديوان الحماسة « جرير بن كليب الفقعسي » ، وقد صوب الشارح نقلا عن أبي محمد الأعرابي أن اسمه « جزء بن كليب الفقعسي » .
( 3 ) « ليستاد منا » أي يتقرب إلى السادات منا ، وذلك كناية عن رغبته في التزوج منهم ، و « سنونا » كذلك هو في الأصول بالسين المهملة والنون الموحدة ، ومعناه دخلنا في السنة ، وهي الجدب والقحط ، وفي الحماسة وشرحه « شتونا » بالشين المعجمة والتاء المثناة ، ومعناه دخلنا في الشتاء ، والشتاء عندهم زمان القحط والمجدبة وهم يكنون به عن الجدب ، و « أن شتونا » تعليل : أي لأن نزل بنا الجدب جاء هذا الرجل خاطبا منا .
( 4 ) في الحماسة بين هذا البيت والذي قبله بيتان آخران ، وهما قوله :فما أكبر الأشياء عندي حزازة * بأن أبت مزريّا عليك وزاريا
وإنّا على عضّ الزّمان الّذي ترى * نعالج من كره المخازي الدّواهياوانظر شرح التبريزي على ديوان الحماسة ( ج 1 ص 236 ) .