تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
فعلمنا أن ليس إلّا بشقّ النّ * فس صار الكريم يدعى كريما
فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيان : أحدهما : أنه أراد بهما الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب ، والآخر : أنه أراد بهما السبب وغير السبب ؛ فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب ، والقليب يحتاج في ورده إلى سبب ، وكلا هذين المعنيين مجاز ؛ فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما ، والوجه هو الثاني ؛ لأنه أدل على بلاغة القائل ومدح المقول فيه ، أما بلاغة القائل فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه ، فإن عجزه يدلّ على القليل والكثير ، لأن البارض هو أول النبت حين يبدو ، فإذا كثر وتكاثف سمي جميما « 1 » ، فكأنه قال : أخذنا منه تبرعا ومسألة ، وقليلا وكثيرا ، وأما مدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره وإقلاله ، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاقّ . فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة ، وبين المجاز والمجاز ، وبين الحقيقة والمجاز . وهاهنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه ؛ إذ هو خارج عما تقتضيه المعاني الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة ، وذلك أن يرجح بين معنيين : أحدهما : تام ، والآخر : مقدّر ، أو يكون أحدهما : مناسبا لمعنى تقدّمه أو تأخر عنه ، والآخر : غير مناسب ، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ ؛ فمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا يتعداه ، وأما المقدر فهو الذي لا يدل عليه لفظه بل يستدل عليه بقرينة أخرى ، وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون .
هامش
( 1 ) في الأصول كلها « سمي حميما » بالحاء المهملة ، وكذا وقع في رواية بيت أبي تمام هنا ، وليس ذلك بشيء ، وإنما هو « جميعا » بالجيم .