تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
والبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف ، وقد حسن الاستعارة التي فيه أنه جاء ذكر المطر مع البرق . وبلغني عن أبي الفتح بن جني رحمه اللّه أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم بالمفسر الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب ؛ فقال : إنها كانت تبزق في وجهه ؛ فظن أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم فيخرج الريق من فمها ويقع على وجهه فشبهه بالمطر ، وما كنت أظنّ أن أحدا من الناس يذهب وهمه وخاطره حيث ذهب وهم هذا الرجل وخاطره ، وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشدّ إليه الرحال فما يقال في غيره ؟ لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب . وكذلك ورد قول الشريف الرضي « 1 » :
إذا أنت أفنيت العرانين والذّرى * رمتك اللّيالي من يد الخامل الغمر وهبك اتقيت السّهم من حيث يتّقى * فمن ليد ترميك من حيث لا تدري
فالعرانين والذرى : هما عظماء الناس وأشرافهم ، كأنه قال : إذا أفنيت عظماء الناس رميت من يد الخامل . وإذا قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له فإنها لا تجيء إلا ملائمة مناسبة ، ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد ؛ لأنها لا تذكر مطويّة إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له ، ولو طويت ولم يكن هناك مناسبة بين المستعار منه والمستعار له لعسر فهمه ، ولم يبن المراد منها .
هامش
( 1 ) البيتان من كلمة له عدتها سبعة أبيات ( الديوان : 1 - 407 ) وقبلهما قوله :تجاف عن الأعداء بقيا فربّما * كفيت ولم تعقر بناب ولا ظفر ولا تبر منهم كلّ عود تخافه * فإنّ الأعادي ينبتون مع الدّهر إذا شئت أن تبقى خليّا من العدى * فعش عيش خال من علاء ومن وفر
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 368 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي