تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
الأول : أنه قال : « هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة ولا رديئة » ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى ، وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات ، وذاك أنه قسّم الاستعارة إلى قسمين : قريب مختار ، وبعيد مطّرح ، فالقريب المختار : ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح ، والبعيد المطرح : إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل ، أو لأنه استعارة مبنية على استعارة أخرى ؛ فيضعف لذلك ؛ هذا ما ذكره ابن سنان الخفاجي في تقسيم الاستعارة ، وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة مطّرحة فكيف جعلها وسطا ؟ هذا تناقض في القول . الوجه الثاني : أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ ؛ لأنه لم يختر إلا ما حسن اختياره ، وذاك أن حدّ الاستعارة على ما رآه الآمدي وابن سنان هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما ، وإن كان المذهب الصحيح في حد الاستعارة غير ذلك ، على ما تقدم الكلام عليه ، ولكني في هذا الموضع أنزل معهما على ما رأياه حتى يتوجّه الكلام على الحكم بينهما في بيت امرئ القيس ، وإذا حددنا الاستعارة بهذا الحدّ فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة المرضية والاستعارة المطرحة ؛ فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على هذا الحد ؛ فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه حكمنا له بالجودة ، وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة ، وبيت امرئ القيس من الاستعارات المرضية ؛ لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني أوّلا ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة ، ولمّا كان الأمر كذلك استعار لوسطه صلبا وجعله متمطيّا واستعار لصدره المتثاقل - أعني أوّله - كلكلا وجعله نائيا ، واستعار لآخره عجزا وجعله رادفا لوسطه ؛ وكل ذلك من الاستعارة المناسبة . وأما قول ابن سنان الخفاجي : « إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى بعيدة مطرحة » فإن في هذا القول نظرا ، وذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في الفرق بين الاستعارة المرضية والمطّرحة ، كما أريناك ، ولا يمنع ذلك من أن تجيء استعارة مبنية على استعارة أخرى وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في الاستعارة المرضية فإنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس ، وهو قوله تعالى :