تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
ورأيت أبا محمد عبد اللّه بن سنان الخفاجي رحمه اللّه تعالى قد خلط الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة ، ولم يفرق بينهما ، وتأسّى في ذلك بغيره من علماء البيان ، كأبي هلال العسكري والغانمي وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي ، على أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم قدما في فن الفصاحة والبلاغة ، وكتابه المسمى ب « الموازنة بين شعر الطائيين » يشهد له بذلك ، وما أعلم كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة والتشبيه المضمر الأداة . ومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم ب « سر الفصاحة » « 1 » قول امرئ القيس في صفة الليل :
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل « 2 »
وهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة ؛ لأن المستعار له مذكور ، وهو الليل ، وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي ، ولم يوفق للصواب ، وأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه ، بل أنزل معه على ما رآه من أنه استعارة ، ثم أبين فساد ما ذهب إليه . وذاك أن الآمدي قال في كتاب الموازنة « 3 » : « إن امرأ القيس وصف أحوال
هامش
( 1 ) انظر سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي ( ص 114 ) . ( 2 ) البيت في وصف الليل من معلقة امرئ القيس ، وقبله قوله :وليل كموج البحر أرخى سدوله * عليّ بأنواع الهموم ليبتليوقد وقع في أ ، ب ، ج « وماء بكلكل » بالميم ، وهو تحريف غريب مع شهرة البيت ، ومع قول المؤلف فيما نقله عن الآمدي « واستعار له اسم الكلكل وجعله نائيا لتثاقله » . ( 3 ) قد تصرف المؤلف في عبارة الآمدي ، ونحن ننقلها لك عن كتاب الموازنة بحروفها ؛ لتكون فيصلا بين الرجال الثلاثة فيما اختلفوا فيه ؛ قال ( ص 108 الجوائب عام 1287 ) : « وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات ، وهو في غاية الحسن والجودة والصحة ، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل ، فذكر امتداد وسطه ، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث ، وترادف أعجازه وأواخره شيئا فشيئا ؛ وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته ، وذلك أشدّ ما يكون على من يراعيه ويترقب تصرمه ؛ فلما جعل له وسطا يمتد ، وأعجازا رادفة للوسط ، وصدرا متثاقلا في نهوضه ؛ حسن أن يستعير للوسط اسم الصلب ، وجعله متمطيا من أجل امتداده ؛ لأن تمطى وتمدّد بمنزلة واحدة ؛ وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه ؛ وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة ، وأشدّ لملاءمته هنا لما استعيرت له ، وكذلك قول زهير :وعرّي أفراس الصّبا ورواحلهلما كان من شأن ذي الصبا أن يوصف أبدا بأن يقال : ركب جواده ، وجرى في ميدانه ، وجمح في عنانه ، ونحو هذا ؛ حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس ، وأن يجعل النزوع عنه أن تعري أفراسه ورواحله ، وكانت هذه الاستعارة أيضا من أليق شيء بما استعيرت له » اه .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 369 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي