العباس رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه ؛ إن قريشا تذاكرت أحسابها فضربوا لك مثالا بنخلة بكبوة ، وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها ، ومن كتب في معنى من المعاني حسنة واردة في موضعها ، ومن كتب في معنى من المعاني فليكتبه هكذا ، وإلّا فليدع .
ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجّاب السلطان في حاجة عرضت لي ، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم ، وهي :
ما من صديق وإن صحّت صداقته * يوما بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقا * لم يخش نبوة بوّاب ولا غلق
الهديّة مشتقة من الهدى ، غير أنها ترفّ إلى القلب لا إلى الندى ، وصهارتها أنفع من الصهارة ، وكلما تردّدت كانت بكرا فهي لا تنفك عن البكارة ، ومن خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح ، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى مفتاح ، وقد قيل : إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها ، التي توصف بأن القنديل يضيء بزيتها ، وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها ، وتدلّ بكثرة دراهمها وثيابها ، وتقول : أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها ، وأحسن ما فيها أنها جاءت سرّا ، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى ؛ فخذها يا مولاي واكشف نقابها ، وأمط عنها جلبابها ، وقد كانت منك حرة وهي الآن في حيّز المملكة ، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية ويدعى [ لها ] بالبركة ، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار ، وناقل لها من دار إلى دار ، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان ، وأذكرت بحاجة مرسلها وحاش فطانة الكريم من النسيان ، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسؤول ، وتنقل البعيد إلى درجة القريب والممنوع إلى درجة المبذول ، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السّفارة ومنة الإنعام ، وإن سمع بأن سعيا واحدا فاز بشكرين اثنين ففي مثل هذا المقام ، ومن الناس من يقول : ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه ، وهل هاهنا إلا كلمات تقال والكلام ماعون لا رخصة في منعه ، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال ، وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل