تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
في هذه الأوصاف معان حسنة لطيفة ، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه ، وهو قولي : « إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع » فإن هذا مما ابتكرته ، وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أطع ولو عبدا حبشيّا مجدّعا ما أقام عليك كتاب اللّه » فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك ، وهو أن القلم يجدع ويقمص لباس السواد فصار حبشيا أجدع ، وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية ، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم ، وأنا استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك ، وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر ونبهت عليه في كتاب « الوشي المرقوم في حل المنظوم » وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره . وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولا لم يقله أحد غيري ، وهو أن المعاني المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة ، فكما أنك إذا وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها وتقلبها ظهرا لبطن ، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها ، وتعتبر أطرافها وأوساطها ، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم ؛ فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية ، إلا أن هذا لا يقع في كل معنى ؛ فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه ، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق ، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم يأت مثله ، وحينئذ إذا كتب فيه كتاب أو نظم فيه شعر فإن الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه ، وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة وسأورد هاهنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلا . ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام ، وأهديت إليه رطبا ، وهو : خلّد اللّه دولة مولانا ، وعمر لها مجدا وجنانا ، وخوّلها السعادة عطاء حسابا ، وأنشأ الليالي لخدمتها عربا أترابا ، وأبقى شبيهتها بقاء لا يستحدث معه خضابا ، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباها ولا أضرابا ، وألقى البأس بين أعدائها وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابا ، إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصّرت بهم يد وجدهم ، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم ، لكن في الأشياء