تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
قلت لك في الجواب : هذا شيء لم يكن ، ولا علم أبو نواس شيئا منه ، ولا مسلم بن الوليد ، ولا أبو تمام ، ولا البحتري ، ولا أبو الطيب المتنبي ، ولا غيرهم ، وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد ، وابن العميد ، والصابي ، وغيرهم ، فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب : هذا باطل بي أنا ؛ فإني لم أعلم شيئا مما ذكره حكماء اليونان ، ولا عرفته ، ومع هذا فانظر إلى كلامي ، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب ، وإذا وقفت على رسائلي ومكاتباتي وهي عدّة مجلدات ، وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم والنثر بنجوة من ذلك كله ، وأنه لا يحتاج إليه أبدا ؛ وفي كتابي هذا ما يغنيك ، وهو كاف . ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا ، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي بن سنا في الخطابة والشعر ، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يسمى اللاغوذيا ، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي ، ووقفني على ما ذكره ، فلما وقفت عليه استجهلته ؛ فإنه طوّل فيه وعرض ، كأنه يخاطب بعض اليونان ، وكل الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا ، ثم مع هذا جميعه فإن معوّل القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة ، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع ، فإن له شيئا من ذلك في كلامه ، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال ، ولو أنه أفكر أولا في المقدمتين والنتيجة ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به ، ولطال الخطب عليه ، بل أقول شيئا آخر ، وهو : أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة ، وإنما هذه أوضاع توضع ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر ، وهي كما يقال : فقاقع ليس لها طائل ، كأنها شعر الأبيوردي . وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني فإني راجع إلى شرح ما أجملته ، فأقول :