أما القسم الأول : فإن المعاني فيه على ضربين : أحدهما : يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه ، وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة ، ويتنبه له عند الأمور الطارئة ، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالا للمتوشح لهذه الصناعة .
فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين « 1 » :
بكروا وأسروا في متون ضوامر * قيدت لهم من مربط النّجّار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم * أبدا على سفر من الأسفار
وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة ، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة ؛ لشاهد الحال الحاضرة .
وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار :
ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه * حتّى اصطلى سرّ الزّناد الواري
نارا يساور جسمه من حرّها * لهب كما عصفرت شقّ إزار
طارت لها شعل يهدّم لفحها * أركانه هدما بغير غبار
فصّلن منه كلّ مجمع مفصل * وفعلن فاقرة بكلّ فقار
مشبوبة رفعت لأعظم مشرك * ما كان يرفع ضوأها للسّاري
صلّى لها حيّا وكان وقودها * ميتا ويدخلها مع الفجّار
وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال .
وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال :
كم عزيز أباده فغدا ير * كب عودا مركّبا في عود
هامش
( 1 ) هذه الأبيات من قصيدة له يمدح فيها المعتصم ويذكر إحراق الأفشين ، وأولها قوله :الحقّ أبلج والسّيوف عوار * فحذار من أسد العرين حذار