تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١

المقالة الثانية في الصناعة المعنوية

وهي تنقسم إلى قسمين : الأول منها في الكلام على المعاني مجملا ، والثاني في الكلام عليها مفصلا . وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملة لما نحن بصدد ذكره هاهنا ، فأقول : اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها ، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان ، غير أن ذلك الحصر كليّ لا جزئي ، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها ، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ، ولا يفتقر إليه ؛ فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمرّ شيء من ذلك بفهمه ، ولا يخطر بباله ، ومع هذا فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا . فإن قيل : إن ذلك البدويّ كان له ذلك طبعا وخليقة ، واللّه فطره عليه كما فطر ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة ؛ فإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي والإصابة فيه من غير تعليم ، وكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد فيما يباشرونه من مصوغ أو خشب أو فخّار أو غير ذلك ، وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة ، وهذا لا نزاع فيه ، فإنه مشاهد . فالجواب عن ذلك أني أقول : إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة فما ذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر وخطيب تحضّروا وسكنوا البلاد ، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها ، وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر ، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب ولا نطقوا بها . فإن قلت : إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه .