تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
ألا ترى أنه لما عطف هاهنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدم ذكره . فإن قيل : إنك جعلت ما كان واردا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلة ، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم ، كقوله تعالى :
« فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد »
ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله . فالجواب عن ذلك أني أقول : هذه الآية ليست كالذي أنكرته ؛ فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل ، فإذا كثر كان تعاظلا ؛ لتراكبه وثقله على النطق ، وقد عرّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلا مما لا يفصل ، والذي أنكرته من ذلك هو أن تأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عقد متصلة ، فحينئذ يثقل المنطق بها ، ويكره موقعها من السمع ، كبيت أبي الطيب المتنبي ، وأما هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم ، ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فرق بينها بواو العطف ، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلا بين ثنتين ، وهما
« خذوهم واحصروهم »
، وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر ، فقيل :
« اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم »
ولم يقل اقتلوا المشركين وخذوهم ، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضا فقيل :
« واقعدوا لهم كل مرصد »
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة الأمر فيها أربع مرار ، وهذه رموز ينبغي أن يتنبه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا .

القسم الرابع من المعاظلة :

وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة ، كقولهم : سرج فرس غلام زيد ، وإن زيد على ذلك قيل : لبد سرج فرس غلام زيد ، وهذا أشد قبحا وأثقل على اللسان ، وعليه ورد قول ابن بابك الشاعر في مفتتح قصيدة له :
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي * فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 293 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي