تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاء كما تراه من الثقل والغثاثة ؟ . واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم ، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا فقالوا في جعل لك : جعلّك ، وفي تضربونني ، تضربونّي ، وكذلك قالوا : استعدّ فلان للأمر ؛ إذا تأهّب له ، والأصل فيه استعدد ، واستتبّ الأمر ؛ إذا تهيأ ، والأصل فيه استتبب ، وأشباه ذلك كثير في كلامهم ، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفا آخر غيره ، فقالوا : أمليت الكتاب ، والأصل فيه أمللت ، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة ، وفرارا من الثقل ، وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا ؟ .

القسم الثالث من المعاظلة :

أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضا ؛ فمنها ما يختلف بين ماض ومستقبل ، ومنها ما لا يختلف . فالأول كقول القاضي الأرّجاني في أبيات يصف فيها الشمعة ، وفيها معنى هو له مبتدع ، ولم يسمع من غيره ، وذلك أنه قال عن لسان الشمع : إنه ألف العسل وهو أخوه الذي ربّي معه في بيت واحد ، وإن النار فرقت بينه وبينه ، وإنه نذر أن يقتل نفسه بالنار أيضا من ألم الفراق ، إلا أنه أساء العبارة ؛ فقال « 1 » :
بالنّار فرّقت الحوادث بيننا * وبها نذرت أعود أقتل روحي
هامش
( 1 ) قبل هذا البيت من أول الكلمة قوله :ولقد أقول لشمعة نصبت لنا * وستور جنح اللّيل ذات جنوح أنا من يجنّ إلى الأحبّة قلبه * ولك البكاء بدمعك المسفوح قالت : عجلت إلى الملام مسارعا * فاسمع بيان حديثي المشروح أفردت من إلف شهي وصله * حلو الجنى عذب المذاق صريحوبعده البيت ، وهو آخر القطعة ، وانظر الديوان ( ص 83 بيروت ) .