لقد فجعت عتّابه وزهيره * وتغلبه أخرى اللّيالي ووائله « 1 »
ومبتدر المعروف تسري هباته * إليهم ولا تسري إليهم غوائله
طواه الرّدى طيّ الرّداء وغيّبت * فضائله عن قومه وفواضله
طوى شيما كانت تروح وتغتدي * وسائل من أعيت عليه وسائله
فيا عاضا للعرف أقلع مزنه * ويا واديا للجود جفّت مسايله
ألم ترني أنزفت عيني على أبي * محمّد النّجم المشرّق آفله « 2 »
وأخضلتها فيه كما لو أتيته * طريد اللّيالي أخضلتني نوافله « 3 »
وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب ، وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء ؛ فإن حسن هذا مطبوع ، وحسن ذاك مصنوع ، وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة أولا ؛ فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع وكانت غير مستجلبة ولا متكلفة جاءت غير محتاجة إلى التألف ، ولا شك أن صورة الخلقة غير صورة التخلق .
فإن قيل : ما الفرق بين المتكلّف من هذا الأنواع وغير المتكلف ؟ .
قلت في الجواب : أما المتكلف فهو الذي يأتي بالفكرة والروية ، وذلك أن ينضى الخاطر في طلبه ، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره ، وغير المتكلف يأتي مستريحا من ذلك كله ، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء خطبته أو كتابته ، فبينا هو كذلك إذا سنح له نوع من هذه الأنواع بالاتفاق لا بالسعي والطلب ؛ ألا ترى أن قول أبي نواس في مثل هذا الموضع :
أترك الأطلال لا تعبأ بها * إنّها من كلّ بؤس دانيه
وانعت الرّاح على تحريمها * إنّما دنياك دار فانية
هامش
( 1 ) « وتغلبه » كذا في الديوان . وفي أ ، ب ، ج « وثعلبة » وهو تحريف .
( 2 ) في الديوان « المغيب آفله » .
( 3 ) كذا في الديوان ، وفي أ ، ب ، ج « وأخلصتها » و « أخلصتني » وهو تحريف .