آبائه ، ولو أنصف لهنّأ الأرض منه بوابلها ، والأمة بكافلها ، وخصوصا أرض مصر التي خصت بشرف سكناه ، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه .
وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على كلمات اللزوم فيها .
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج : أن لقيط بن زرارة تزوج بنت قيس بن خالد بن ذي الجدين ، فحظيت عنده وحظي عندها ، ثم قتل فآمت بعده وتزوجت زوجا غيره ، فكانت كثيرا ما تذكر لقيطا ، فلامها على ذلك ؛ فقالت : إنه خرج في يوم دجن وقد تطيّب وشرب ، فطرد البقر فصرع منها ، ثم أتاني وبه نضح دم ، فضمّني ضما ، وشمّني شمّة ، فليتني متّ ثمّة ، فلم أر منظرا كان أحسن من لقيط ، فقولها : « ضمني ضمة ، وشمني شمة ، فليتني مت ثمة » من الكلام الحلو في باب اللزوم ، ولا كلفة عليه .
وهكذا فليكن ؛ فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة ، وما ينبغي لمؤلف الكلام أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متكلفا ؛ ومثاله في هذا المقام كمن أخذ موضوعا رديئا فأجاد فيه صنعته ؛ فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل ، فأضاع جودة الصنعة في رداءة الموضوع .
وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد اللّه بن سليمان ؛ فمما جاء من ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء :
بنت عن الدّنيا ولا بنت لي * فيها ولا عرس ولا أخت
وقد تحمّلت من الوزر ما * تعجز أن تحمله البخت
إن مدحوني ساءني مدحهم * وخلت أنّي في الثّرى سخت
وله من ذلك الجيد ، كقوله :
لا تطلبنّ بآلة لك حاجة * قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السّما كان السّماء كلاهما * هذا له رمح وهذا أعزل