تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وقد ورد هذا الضرب كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم بن نباتة رحمه اللّه : فمن ذلك قوله في أول خطبة : الحمد للّه عاقد أزمّة الأمور بعزائم أمره ، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره ، وموفّق عبيده لمغانم ذكره ، ومحقّق مواعيده بلوازم شكره ؛ فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنا وقافية ، والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن ؛ فإن مواعيد تخالف وزن عبيد ، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال . ومن ذلك قوله أيضا في جملة خطبة : أولئك الذين أفلوا فنجمتم ، ورحلوا فأقمتم ، وأبادهم الموت كما علمتم ، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم ، كلا ! واللّه ما أشخصوا لتقروا ، ولا نغّصوا لتسرّوا ، ولا بد أن تمروا حيث مروا ، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغتروا ؛ وهذا الكلام فيه أيضا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية وصحة القافية دون الوزن . وكذلك قوله أيضا في خطبة أخرى : أيها الناس ، أسيموا القلوب في رياض الحكم ، وأديموا النّحيب على ابيضاض اللّمم ، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم ، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم . وأما ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضا فكقول ذي الرمة « 1 » :
كحلاء في برج صفراء في دعج * كأنّها فضّة قد مسّها ذهب « 2 »
وصدر هذا البيت مرصع ، وعجزه خال من الترصيع ؛ وعذر الشاعر في ذلك واضح ؛ لأنه مقيد بالوقوف مع الوزن والقافية ، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على
هامش
( 1 ) من قصيدة له مطلعها قوله :ما بال عينك منها الماء ينسكب * كأنه من كلّى مفريّة سرب( 2 ) رواية الديوان :كحلاء في دعج صفراء في نعج * كأنها فضّة قد مسّها ذهب