تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وفصاحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ ، ولا تكاد توجد في كلامه ، إلا جوابا لمن يخاطبه بمثلها ، كهذا الحديث وما جرى مجراه ، على أنه قد كان في زمنه متداولا بين العرب ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يستعمله إلا يسيرا ؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح . وهذا الكلام هو الذي نعدّه نحن في زماننا وحشيا لعدم الاستعمال ، فلا تظن أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك ، ويثقل عليك النطق به ، وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله ، فتارة يخفّ على سمعك ولا تجد به كراهة ، وتارة يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة ، وذلك في اللفظ عيبان : أحدهما : أنه غريب الاستعمال ، والآخر : أنه ثقيل على السمع كريه على الذوق ، وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته ، وهو الذي يسمى الوحشي الغليظ ، ويسمى أيضا المتوعّر ، وليس وراءه في القبح درجة أخرى ، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفن أصلا . فإن قيل : فما هذا النوع من الألفاظ ؟ . قلت : قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك ، وثقل على لسانك النطق به ، وسأضرب لك في ذلك مثالا ؛ فمنه ما ورد لتأبط شرا في كتاب الحماسة « 1 » :
يظلّ بموماة ويمسي بغيرها * جحيشا ويعروري ظهور المسالك « 2 »
هامش
( 1 ) من كلمة له رواها أبو تمام في الحماسة ( انظر شرح التبريزي : 1 - 90 ) ، وأولها قوله :وإنّي لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عمّ الصّدق شمس بن مالك( 2 ) الموماة : المفازة التي لا ماء فيها ، وتجمع على الموامي ، وجحيشا : منفردا ، كما قال المؤلف ، ووقع في ج « حجيش » بتقديم المهملة ، وهو تصحيف ، « ويعروري » من قولهم : اعرورى الفرس ، إذا ركبه عريا . وفي الحماسة « ظهور المهالك » .