فإن لفظة « جفخ » مرّة الطعم ، وإذا مرت على السمع اقشعرّ منها ، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبط شرا لفظة جحيش ؛ فإن تأبط شرا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة ، كما أشرنا إليها فيما تقدم ، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي جفخت ؛ فإن معناها فخرت ، والجفخ : الفخر ، يقال : جفخ فلان ؛ إذا فخر ، ولو استعمل عوضا عن جفخت فخرت لاستقام وزن البيت وحظي في استعماله بالأحسن ، وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء ؟ .
وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشي اللفظ الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته ، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه ، والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ ، وإنما تلام على الغريب القبيح ، وأما الحضري فإنه يلام على استعمال القسمين معا ، وهو في أحدهما أشد ملامة من الآخر .
على أن هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر ، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري ؛ فإن وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر ، ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات ، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة ، ولربما أنكره بعد ذلك إما عنادا وإما جهلا ؛ لعدم الذوق السليم عنده .
فمن ذلك قول الفرزدق « 1 » :
ولولا حياء زدت رأسك شجّة * إذا سبرت ظلّت جوانبها تغلي « 2 »
شرنبثة شمطاء من يرتمي بها * تشبه ولو بين الخماسيّ والطّفل « 3 »
هامش
( 1 ) من قصيدة له يهجو فيها جريرا ، وأولها قوله :ألا استهزأت منّي هنيدة أن رأت * أسيرا يداني خطوه حلق الحجل( 2 ) في الديوان والنقائض « زدت رأسك هزمة » .
( 3 ) البيتان ليسا متصلين في الديوان والنقائض ، وبينهما خمسة أبيات ، وفيهما في صدر هذا البيت « شرنبثة شمطاء من ير ما بها » .